السرخسي
18
أصول السرخسي
وأما بيان المخلص عن المعارضات فنقول : يطلب هذا المخلص أولا من نفس الحجة ، فإن لم يوجد فمن الحكم ، فإن لم يوجد فباعتبار الحال ، فإن لم يوجد فبمعرفة التاريخ نصا ، فإن لم يوجد فبدلالة التاريخ . فأما الوجه الأول وهو الطلب المخلص من نفس الحجة فبيانه من أوجه : أحدها أن يكون أحد النصين محكما والآخر مجملا أو مشكلا ، فإن بهذا يتبين أن التعارض حقيقة غير موجود بين النصين وإن كان موجودا ظاهرا فيصار إلى العمل بالحكم دون المجمل والمشكل . وكذلك إن كان أحدهما نصا من الكتاب أو السنة المشهورة والآخر خبر الواحد . وكذلك إن كان أحدهما محتملا للخصوص فإنه ينتفي معنى التعارض بتخصيصه بالنص الآخر . وبيانه من الكتاب في قوله تعالى : * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * وقوله تعالى في المستأمن : * ( ثم أبلغه مأمنه ) * فإن التعارض يقع بين النصين ظاهرا ولكن قوله : * ( فاقطعوا أيديهما ) * عام يحتمل الخصوص فجعلنا قوله تعالى : * ( ثم أبلغه مأمنه ) * دليل تخصيص المستأمن من ذلك . ومن السنة قوله عليه السلام : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها ونهيه عن الصلاة في ثلاث ساعات ، فالتعارض بين النصين ثبت ظاهرا ولكن قوله عليه السلام : فليصلها إذا ذكرها بعرض التخصيص فيجعل النص الآخر دليل التخصيص حتى ينتفي به التعارض . وكذلك إن ظهر عمل الناس بأحد النصين دون الآخر ، لان الذي ظهر العمل به بين الناس ترجح بدليل الاجماع فينتفي به معنى التعارض بينهما ، مع أن الظاهر أن اتفاقهم على العمل به لكونه متأخرا ناسخا لما كان قبله ، وبالعلم بالتاريخ ينتفي التعارض فكذلك بالاجماع الدال عليه ، وإن كان المعمول به سابقا فذلك دليل على أن الآخر مؤول أو سهو من بعض الرواة إن كان في الاخبار ، لان المنسوخ إذا اشتهر فناسخه يشتهر بعده أيضا ، كما اشتهر تحريم المتعة بعد الإباحة واشتهر إباحة زيارة القبور وإمساك لحوم الأضاحي والشرب في الأواني بعد النهي ،